أبطال صغار، لم يشهدوا دمار وطنهم وضياع أرضهم وهدم بيوتهم، بل شهدوا أبشع نماذج القتل، والجوع، والفقر، والاعتقال، وأهوال البحث عن «دار» أو أسرة أو لقمة أو شربة ماء، هم أطفال فلسطين الذين يفتقدون أدنى معايير الحياة الإنسانية ويتجاوزون الجميع في قوتهم ومدى صبرهم وقدرتهم على التحمل.

شعور الطفل الفلسطيني الذي يعايش القتل والدمار والحصار منذ سنوات طويلة، يتعدى التعايش مع الخطر واستشعار التهديد ومواجهة الموت، ويتجاوز الحرمان من حقوقه الإنسانية أسوة بأطفال العالم، فالمناداة بالسلام أمر لا خلاف عليه، ولكن هذه الدعوات تنتفي عندما لا تقابل بالاحترام وعندما لا يكون ميزان الإنسانية والعدالة عادلاً مع الجميع.

في إحدى الدراسات النفسية التي طبقت على الأطفال في فلسطين جاء أن جميع أفراد عينة الدراسة كانوا من أصحاب التجربة الحية مع الهدم والموت والاعتقال، وكيف لا وهم ينزفون الدم بدلاً من شرب الحليب، ويكبرون مع المعاناة بدلاً من أن يكونوا في دائرة الأمان، ففي حياتهم لا وجود لمفردات اللعب والهدايا والابتسامة والفرح والهدوء، فليس هناك أمر عادي يحيط بهم، فعلى مر السنوات لم يكونوا أطفالاً عاديين كغيرهم حول العالم.. بل هم يعانون دون توقف من قتل البراءة بأبشع الصور، وتحمل المآسي الوحشية والظلم وشتى أنواع الانتهاكات اللا إنسانية.

ثمة وجه مشوه للطفولة في قلب عالمنا العربي، وثمة وطن ينزف دماً منذ سنوات وبتعاقب الأجيال، ويواجه كل ذلك بتمادي أصحاب العتاد الظالم والقوة السياسية يوماً بعد يوم في زيادة أشكال هذا التشوه دون مراعاة لأدنى معاني الإنسانية، فجملة أن لكل طفل الحق في مقومات الصحة، والتعليم، والبيت، والأمن والأمان، والحرية أمر غير موجود في قاموسهم، ففي فلسطين يعيش الأطفال شتى أشكال التنكيل والتعذيب والضرب، ويمنعون من الحركة والتنقل داخل أرضهم المحاصرة من كل صوب، وكل ذلك ليس سوى قليل من واقع كثير مبكٍ.

فداحة كبيرة تتمثل في الوضع المأساوي الذي يعيشه الطفل الفلسطيني، مجازر وقتل وعدوان إسرائيلي بماكينة متطورة من الأسلحة أمام شعب مغلوب على أمره، صواريخ وتفجير وحرق وهدم، وقصف مشافٍ وأحياء سكنية، فالموت يلاحقهم من كل حدب وصوب وكل حين، هم يعيشون في عالم تتشكل ملامحه اليومية بين الشهادة والقتل واليتم والانتهاك وضياع الهوية وفقدان السلام، وبين كل ذلك ثمة حقوق ضائعة أولها حق الأرض، هي معاناة لا تتوقف، منها مواجهة صواريخ تقصف وتحرق وتهدم البيوت على رؤوس من فيها، ومحاصرة وشتات وقتل وتشريد ويتم وإعاقات نفسية وجسدية من هول ما يحيط بهم، فهي جرائم حرب وإبادة وفصل عنصري، وتهجير، وتعذيب، وإساءة لا تتوقف.

أضحوكة بعض التقارير في ذكر اتّخاذ خطوات لتحسين وضع الأطفال في دولة فلسطين، ورصدها لبعض المؤشرات الاجتماعية التي تصنف ضمن معايير تحسن الحال، وكل ذلك في ظل تغييب حق الطفل الفلسطيني في أن يعيش كباقي أطفال العالم، ليعيش طفولته وعلى أرضه ووسط عائلته في مجتمع قادر على تنمية نفسه دون عدوان ودون إبادة.

والسؤال الذي ينتظر الإجابة، متى سيتم إنهاء المعاناة اليومية للطفل الفلسطيني، ومن سيحميه من القتل والتشويه والإصابات المشلة، وغيرها المؤدية للعاهات الدائمة، وبتر الأطراف والحرق والهدم، متى تتوقف انتهاكات البراءة أمام عيون العالم الرمادية ووجدانهم الميت.. فالمتتبع لأعداد الضحايا المتزايد يدرك حجم المصيبة.

دلالة

جمع مبلغ يفوق الـ16 مليون دولار في حملة وطنية تبث على تلفزيون البحرين، والمتأمل في مضامين كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ثمة تأكيد مستمر وتعبير عن موقف واضح للتشديد على ضرورة فتح ممرات آمنة لإدخال الإغاثات والمعونات لفلسطين، ورفض الحصار والاستهداف والقتل والتشريد، ولجهود المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية واللجنة البحرينية الوطنية لإغاثة الأشقاء الفلسطينيين في غزة، كلمة شكر وامتنان، فتجهز الحمولة لم يستغرق أكثر من 72 ساعة.

وللعالم كله.. قليل من العدالة والإنصاف والدفاع عن الإنسانية سوف تكفي لحماية أطفال فلسطين من كل هذه الأوجاع، فالتاريخ يسجل مواقف الخذلان والصمت.. وأختم بجملة أهل فلسطين بأن الطريق من غزة إلى الجنة مزدحم جداً.. وثمن البقاء وحماية الأرض غالٍ، والصمود درس صعب لكل من ينتهك الحرية والإنسانية.