برغم اعتزازي بانتمائي العروبي إلا أنني لا أستطيع أن أصف نفسي بالناصرية، ذلك لأني في الأساس لم أعش الحقبة الناصرية، وأرى في الناصرية تجربة لها مبادؤها وقيمها الإنسانية المتجاوزة، إلا أنها تجربة تحدها ظروف قيامها وظروف سيرورتها التاريخية، ويصعب أن تكون في بعض إجراءاتها، ، حالة سياسية عابرة لتاريخيها. وهذا حال كثير من التجارب السياسية الناجحة. ولكن ما يجب أن يتنبه له المثقفون في مناقشاتهم الموضوعية والهادفة للتجربة الناصرية، هو ذاك الهجوم (العدائي) للتجربة الناصرية، بعد موجات سنة 2011م، والذي يقوم على تأسيس (ثيمة) خطيرة، وهي أن ثورة يوليو 1952م، والتجربة الناصرية، كانا بمثابة هدْم لعصر سياسي واقتصادي واجتماعي زاهر، وأنها زرعت بذور كل الخراب الذي نعيشه لحظة العام 2018م!!. هذه (الثيمة)، هي في جوهرها عملية ممنهجة (بعلم حامليها أو بجهلهم) للترويج لحالة الاستعمار الجديد الذي ترزح تحته جميع الدول العربية وأغلب دول الكرة الأرضية.

لا يمكن في هذا المجال الضيق مناقشة كل أبعاد (ثيمة العصر الملكي الزاهر)، ولكن سأكتفي فقط بالوقوف على لحظة سياسية ملكية غيرت التاريخ المصري الحديث بأكمله وغيرت معه، وهو الأخطر، المزاج المصري (ساعتها) وأشدد على ساعتها، لأن الأحداث التاريخية تقع وتتطور بتأثيرات (ساعتها) وضغوطها وإحاطاتها. الحادثة هي حصار قصر عابدين في 2 فبراير 1942م. والحادثة باختصار شديد يعرفه الكثيرون هي محاصرة قصر الملك فاروق بالدبابات البريطانية لإلزام الملك بقبول حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا، وقد حضر السفير البريطاني إلى قصر عابدين ومعه خطاب التنحي في حال رفض الملك الأوامر البريطانية. فرضخ الملك فاروق للسفير البريطاني محاصراً بدبابات الاستعمار البريطاني، وشكل حزب الوفد برئاسة النحاس باشا حكومة منفردة رافضاً مفاوضات طويلة لقبول شراكة باقي الأحزاب في تشكيل الحكومة. وفي اليوم نفسه قدم الضابط محمد نجيب استقالته للملك فاروق معللاً لها بأنه لا يستطيع الاستمرار في جيش لا يملك صلاحية حماية الملك وقصره من دبابات أجنبية.

خطورة (ساعة) حادثة عابدين أنها في حقيقة الواقع السياسي أعلنت موت الحياة السياسية الحزبية في مصر التي ظلت طوال فترة إنعاشها تعاني من صراع الأحزاب وعبث الملك وتزوير نتائج الانتخابات وإجبار الحكومات المتلاحقة على تقديم استقالتها. وكانت أزمة حزب الوفد قد بلغ ذروتها باستقالة مكرم عبيد وإصداره كتابه الأسود عن حالة الفساد الحزبي. وأياً كانت المبررات والإكراهات وظروف الحربين العالميتين وامتدادهما إلى سواحل الأطلسي العربية، إلا أن حزب الوفد الذي واجه الاحتلال البريطاني مراراً قد أنهى تاريخه السياسي بأن غامر الإنجليز بحصار قصر عابدين، وتخيير الملك فاروق بين التنحي وبين الرضوخ للنحاس باشا. لقد صار حزب الوفد خيار الإنجليز ورهانهم. بالتالي تشكلت صورة للملك في أذهان شعبه أنه، وهو الذي عجز عن حل مشكلات نسائه الأسرية، لا يمكنه حل مشكلات الحكومات والاحتلال البريطاني.

حادثة عابدين وتأثيرات (ساعتها)، ومن بعدها فضيحة الجيش المصري في حرب فلسطين 1948م. بعض أسباب قيام ثورة يوليو، التي طردت الإنجليز واستعادة قناة السويس وأممتها ودشنت مشروع الإصلاح الزراعي ودعم القطاع العام والاتجاه نحو التصنيع والإنتاج المحلي من أجل محاربة الإقطاع واحتكار الثورة. ولكن من يعادون التجربة الناصرية يقفزون عن تلك المبادئ والإنجازات ويتوقفون عند قضايا مثل إلغاء الأحزاب وتعطيل الحياة السياسية، دون مناقشة تفاصيل الحياة السياسية والحزبية في العشرين سنوات الأخيرة من حكم الملكية.

نعم، نتفق على أن انشغال التجربة الناصرية بحروبها المتلاحقة مع الدول الاستعمارية الكبرى، وانهماك الناصرية في التطوير الاقتصادي والاجتماعي، لم يوازه تطوير سياسي للنخب الجديدة، ولم تنجح التجربة الناصرية في بناء تصور لنظام سياسي مكتمل يتضمن حوار الأحزاب وتداول السلطة، والحفاظ على مستقبل المبادئ الناصرية الإنسانية، مما أدى إلى اختطاف التجربة الناصرية وتفكيكها ووقعت مصر مرة ثانية في أزمات ما قبل يوليو. وهذا قصور في التجربة. لكنه يناقش في ظل كونه جزءاً من التجربة وليس كل التجربة. كما يناقش من زاوية الأزمة السياسية العربية، وأزمة الأحزاب السياسية، والنخب السياسية، وأزمة التحول العربي السياسي.

لقد انتهى الحال (اليوم) بكل الأحزاب السياسية العربية إلى أن تكون إما صورية أو مهمشة أو غير قادرة على التأثير على الجماهير، أو مرتهنة للسلطة السياسية، أو أنها عميلة لجهات ودول خارجية. مما جعل المواطن العربي يفقد الثقة بالديمقراطية والحزبية وكل ما يمكن أن يناقش خارج السلطة التي لا يثق فيها أصلاً. ألم يكن ذلك حال التجربة الحزبية قبل يوليو؟ لماذا لا تناقش الحياة الحزبية والسياسة العربية على هذا الامتداد؟ لماذا تتهم التجربة الناصرية أنها المسؤولة عن إلغاء واقع نموذجي لم يتحقق أصلاً. الإجابة في (ساعة عابدين). الساعة التي كان الاستعمار يعلن فيها بكل سفور أن كل خيوط (اللعبة السياسية) بين يديه. وقبلت كثير من النخب السياسية والفكرية تلك (الساعة) باعتبارها نتاجاً للواقعية السياسية الماثلة حينها.

يتعلل كثير من ناقدي التجربة الناصرية بأن مصير الأحزاب المصرية كان لابد في تطور ذاتي. كيف؟ لا يجيبون!، ويتعللون أيضاً أن الاستعمار كان يلملم ذيل جيوشه وكان لا محالة مرتحلاً. لماذا، وكيف؟ أيضاً لا إجابة واضحة. ويتعللون أن كل ما عملته ثورة يوليو كان سيتحقق بحكم الضرورة في العصر الملكي وأن إنجازات جمال عبدالناصر هي استكمال لإنجازات الملك فاروق أصلاً. ولكنهم أيضاً، يلقون بكل الانحدار الذي تعيشه مصر والوطن العربي اليوم على التجربة الناصرية فقط. وهذا التناقض في عقد الموازنات يبرهن أن هذا الاتجاه في النقاش الانتقادات ليست موضوعية، وأنها لا ترمي إلى مناقشة جوانب النقص للعمل على وضع مرئيات لإعادة صياغة تجربة سياسية عربية تتجاوز إخفاقات ما قبلها. بل هي نقاشات يكتنفها طابع وجداني من الحنين إلى نظام ترعرع في ظل الاستعمار وعاش صراعات للتكيف مع الاستعمار وبسقوطه خرج الاستعمار.

في رأيي، انتهت مرحلة سيرورة التجربة الناصرية، ولا بد من مناقشتها بظروفها المحيطة و(ساعاتها) الخاصة، وباعتبارها من أنجح وأقوى وأهم التجارب العربية في مرحلة دولة الاستقلال. وباعتبارها تجربة اعتراها النقص والخلل في بعض جوانبها. لقد انتهت الحقبة الناصرية، ولم يبق منها في قلوب محبيها سوى القيم والمبادئ الرفيعة التي تحقق بعضها، الإنجازات التي مازال بعضها شاخصاً، أو التي تم طمسها ومازالت عالقة بالذاكرة، وبقي منها الشيء الأهم. بقي فهم معنى الاستقلال الحقيقي وفهم معنى الاستعمار بكافة أشكاله وصوره، بقي العداء للدولة الصهيونية باعتبارها كياناً شاذاً وغاصباً، بقي اليقين بأن هذه أمتنا العربية أمة واحدة ولا أمل لنجاة قطر منها إلا بالاكتمال مع باقي الأقطار. بقي إحساس لم نعشه حين يخرج لنا زعيم عربي بهامة سامقة ويتحدى الدول الكبرى ويدافع عنا باعتبارنا أمة عظيمة ولسنا هشيماً ينفخه الطامعون ذات الشمال وذات اليمين حتى نتبدد ونموت!