في اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان، لا تُختبر الكلمات بقدر ما تُختبر المواقف، ولا تُقاس الوطنية بما يُقال، بل بما يُفعل.
قبل أيام، جاء لقاء الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، مع السلطة التشريعية، ليضع النقاط على الحروف في مرحلة وصفها معاليه بأنها غير مسبوقة في تاريخ البحرين.
وقد حملت كلماته رسائل واضحة، لعل أبرزها أن «صون وحماية البحرين ليست خياراً، بل واجباً»، وأننا أمام «يوم الاصطفاف والتلاحم والتماسك الوطني»... بل «يوم رد الجميل للوطن».
وعند هذه العبارة تحديداً، يبرز السؤال الأهم: كيف يكون رد الجميل للوطن؟
إذا تأملنا المشهد الاقتصادي، نجد أن هذا الوطن لم يبخل يوماً على أبنائه، فقد وفر بيئة استثمارية جاذبة، ومنح فرصاً استثنائية، ودعماً مالياً ولوجستياً، وأراضي استثمارية بتسهيلات كبيرة، فضلاً عن منظومة ضرائب مرنة، وخدمات حكومية ساندت نمو الأعمال وازدهارها.
وقد أثمرت هذه البيئة عن نجاحات كبيرة، صنعت ثروات، ورسّخت مكانة كثير من التجار وأصحاب الأعمال.
غير أن المرحلة الراهنة تطرح تساؤلاً مشروعاً: بعد عقود من الاستفادة من خيرات هذا الوطن، هل آن أوان رد الجميل؟
لا أحد ينكر أن للتجارة تكاليفها وتعقيداتها، ولا يُحسد أحد على نجاحه، لكن ما يُطرح اليوم ليس نقاشاً اقتصادياً بقدر ما هو اختبار وطني.
فبينما تتردد بعض الروايات -التي نأمل ألا تكون ظاهرة- عن هوامش ربح تتجاوز الحدود المنطقية، يبقى السؤال قائماً: هل يمكن أن تتقدم المصلحة الوطنية على تعظيم الأرباح في لحظة استثنائية؟
وفي موازاة ذلك، تبذل الحكومة، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، جهوداً حثيثة للحفاظ على استقرار الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين، في وقت يتابع فيه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، أدق التفاصيل، تأكيداً على أن المواطن يظل في صدارة الأولويات.
غير أن الواقع الاقتصادي، بطبيعته، قد يفرض تحديات تتجاوز أدوات الرقابة، خصوصاً مع اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل.
وهنا، لا يكون السؤال عن قدرة الدولة فقط، بل عن استعداد الشركاء في القطاع الخاص لتحمّل جزء من المسؤولية.
هل سيتنازل التاجر عن جزء من هامش ربحه؟
هل ستتحول الوطنية من خطاب إلى قرار؟
ومن زاوية أخرى، يبرز تساؤل لا يقل أهمية: في وقت تُعلِن فيه بعض المؤسسات المالية عن جوائز بملايين الدنانير لأغراض تسويقية، أليس الوطن -في هذه المرحلة- أولى بجائزة الوفاء؟
إن ما يقدمه القطاع المالي محل تقدير، لكن الظرف الراهن يستدعي مبادرات بحجم التحدي، لا تكتفي بالحضور الرمزي، بل تلامس احتياجات الناس وتُحدث أثراً ملموساً.
كما أن انتخاب مجلس إدارة جديد لغرفة تجارة وصناعة البحرين، في هذا التوقيت الدقيق، يضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة، تتجاوز التمثيل إلى الفعل، وتنتقل من الإطار التقليدي إلى المبادرات النوعية التي تعكس عمق الانتماء الوطني.
إن هذه المرحلة ليست كسابقاتها، وهي -كما وصفها معالي وزير الداخلية- لحظة يُقاس فيها صدق الانتماء، وتُختبر فيها الضمائر.
فالوطنية ليست كلمة تُقال، ولا شعاراً يُرفع، بل موقف ثابت يتجسد في الفعل، ويُترجم في أوقات الحاجة.
وفي زمن التحديات، لا يُسأل الوطن ماذا قدم...
بل يُسأل أبناؤه: ماذا ردّوا؟
* قبطان - رئيس تحرير جريدة - «ديلي تربيون» الإنجليزية