في جميع الأنظمة المؤدلجة والديكتاتورية كإيران على سبيل التحديد، هناك لحظة صراخ تسبق الانهيار، لحظات من الأصوات العالية حين يدرك فيها الجميع أن السفينة بدأت تغرق، حينها يبدأ من كانوا يهتفون لها من مسؤولي الداخل بالبحث عن قوارب النجاة، وإيجاد صفقات تضمن حريتهم، بينما المؤيدون من الخارج سيظلون في الدفاع عن الظلم والظالم، غير مدركين، أو بالأحرى لا يرغبون في إدراك الحقيقة والواقع، في أن من كانوا يتبعونه كان وهماً وخداعاً، وهذا تماماً ما سيحدث مع نظام ولاية الفقيه في إيران أو بدأ يحدث بالفعل، حيث إن جدرانه بدأت بالتصدّع الحقيقي.

الذين كانوا يملؤون الشاشات صراخاً عن الصمود الأسطوري، والمشروع الإلهي، والانتصارات الوهمية، ويضخّون المحتوى على ساحات الإعلام الرقمي بالدفاع المستميت عن إيران ونظام ولاية الفقيه وحرسها الثوري، سيكونون أول من يبدّلون جلدهم، ويقلبون خطابهم، أو سيكتفون بالصمت المؤلم واللطم المعاتب للنفس.

التاريخ لا يرحم، بل يفضح، وآلة الكذب الإيرانية اليوم تذكّرنا بشكل يكاد يكون مطابقاً بآلة الدعاية التي رافقت نظام جوزيف غوبلز وزير دعاية ألمانيا النازية ووزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف، ذات الأسلوب، وذات التضليل، عبر محاولة تحويل الهزيمة إلى نصر معنوي، والانكسار إلى خطة استراتيجية، والجوع إلى صمود عقائدي. كان غوبلز يخبر الألمان في الأيام الأخيرة لسقوط برلين أن النصر قريب، بينما كانت الدبابات السوفيتية تدخل قلب العاصمة. وصحاف العراق كان يُخبر العالم بأن العراق انتصر، بينما كان ينهار، واليوم يفعل الإعلام الإيراني الشيء ذاته؛ ولو عاد غوبلز والصحاف اليوم، لوجدا في بعض المنابر الإيرانية تلاميذ تفوقوا على أساتذتهم.

الإعلام الإيراني وأتباعه في عدد من الدول يتحدثون عن السيطرة وعن أسطورة المقاومة، بينما الاقتصاد الإيراني يترنّح وأبناء كبار المسؤولين يعيشون في أوروبا وكندا وأمريكا، بينما المواطن الإيراني يبحث عن الخبز والدواء، يبحث عن الحرية والهواء. أيُّ وليٍّ للفقيه هذا الذي يرسل الفقراء إلى الجبهات، ويجعل مواطني الدول الأخرى خونة في أوطانهم، منبوذين مكروهين، بينما يرسل أبناء قياداته إلى الجامعات الغربية؟ المفارقة الساخرة أن بعض رموز النظام الإيراني أصبحوا يشبهون الممثلين أكثر من السياسيين، يكرّرون النص نفسه منذ أكثر من أربعين عاماً: سنحرر فلسطين، وهم يزجّون بها إلى الجوع والدمار. الموت لأمريكا، لكن حساباتهم البنكية هناك، وأبناؤهم يحملون جنسياتها.

دعوني أعترف بشيء: النظام الإيراني كان ذكيا، فهو لم يكتفِ بخداع شعبه، بل صدّر الوهم إلى المنطقة عبر جيوش إلكترونية، وقنوات فضائية، وخطابات تعبئة طائفية، راغباً في صناعة صورة الإمبراطورية التي لا تُهزم. لكن الحقيقة أن هذا النظام المشوّه هشّ من الداخل؛ حاول الاختفاء تحت عباءة الدين، قتل وشرد معارضيه، انتهج سياسة الخطابات الحماسية، ودغدغ مشاعر الطائفية. وحين تأتي لحظة السقوط ستسمع أصوات الهروب، والتبرؤ، والإنكار. هذا ما يحدث غالباً مع الأنظمة العقائدية عندما تقترب نهاياتها، عندها سيتركون أتباعهم وحيدين في الساحة، انهارت أحلامهم ولفظتهم دولهم.

باختصار، حين يكتب التاريخ الفصل الأخير، لن يتذكر الشعوب عدد الشعارات التي رُفعت، بل سيدركون عدد الأكاذيب التي قيلت باسمها، وأنهم كانوا عبارة عن بضاعة تمت المتاجرة بها وتم رميها عندما انتهت الحاجة. فهل من عقل مدرك، وفكر نيّر يقرأ التاريخ بعين الحقيقة لا بعين الشعارات؟ فالأوطان تُبنى بالوعي، لا بالهتاف، والوطن الحقيقي هو من لا يستخدمك كوقود لمعارك النفوذ، بل هو من يحميك ويحافظ على إنسانيتك، ويرسم معالم المستقبل لأجيالك القادمة.