لم يكن توقيت إعلان الرئيس ترامب عن الاتفاقات الأمريكية ـ السعودية في مجالي تعدين اليورانيوم وتخصيبه مفاجئاً إلا لبعض الأطراف التي طالما حلمت بإقران هذا الاتفاق بعملية سياسية إقليمية أخرى. إلا أن توقيت الموافقة الأمريكية يكتسب دلالاته الخاصة؛ فقد أثبتت الرياض قدرتها على تمثيل رؤية سياسية إقليمية محفِّزة على إعادة الاستقرار في أكثر من ملف إقليمي شائك، من لبنان إلى سوريا والعراق، بالشراكة مع واشنطن وشركاء إقليميين.

وتكتسب الشراكة السعودية ـ الأمريكية في برنامج نووي مدني يشمل التخصيب المحلي لليورانيوم أهميةً تتجاوز إطار التعاون الاقتصادي التقليدي. فهي تعكس انتقالًا في طبيعة الشراكة بين الرياض وواشنطن؛ أي من علاقة تقوم على توريد التكنولوجيا والخدمات إلى شراكة يمكن أن تدعم بناء قاعدة سعودية متكاملة للطاقة النووية المدنية، ضمن القواعد الدولية الحاكمة لهذا القطاع، وقادرة على تعزيز ضمانات أمن طاقة مستدام إقليمياً.

والنقطة الأساسية في هذا النقاش هي أن السعودية دولة موقِّعة ومصادِقة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1998. وهي المعاهدة التي تجمع بين التزام الدول غير النووية بعدم السعي إلى امتلاك السلاح النووي، وإقرار حقها في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية من دون تمييز، بما يخضع لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن هذا المنطلق، لا يمثّل التخصيب المدني خروجاً عن المعاهدة؛ إذ إنها لا تمنع امتلاك تقنيات دورة الوقود النووي، بل تنظّم استخدامها وتضعها ضمن إطار التحقق الدولي.

ولا تتحدث السعودية عن برنامج يقتصر على استيراد الوقود النووي أو تشغيل منشآت تعتمد بصورة كاملة على مورّد خارجي. إذ تمتد رؤيتها إلى تطوير سلسلة قيمة نووية مضافة تبدأ بتطوير عمليات استكشاف موارد اليورانيوم في أراضيها وتقييمها، ثم التعدين والمعالجة والتركيز، وصولاً إلى الصناعات التحويلية التي ترفع القيمة المضافة للمادة الخام، وإنتاج وقود نووي للاستخدام المدني. ويعني ذلك بناء بنية علمية وهندسية وتنظيمية قادرة على إدارة البرنامج بكفاءات وطنية، وفتح مجالات للبحث والتطوير والتدريب وصناعات متقدمة رديفة.

وتمنح موارد اليورانيوم السعودية هذا المسار منطقاً اقتصادياً واضحاً؛ فالدولة التي تمتلك الخام لا ترغب في أن تبقى عند حدود تصديره أو تركه غير مستثمر، ثم تعتمد، في المقابل، على استيراد الوقود النووي. ومن شأن تطوير مراحل التعدين والمعالجة والتحويل أن يرسّخ توطين الصناعة، ويوفّر فرصاً للقطاع الخاص والكوادر المتخصصة، ويدعم توجه المملكة نحو اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على المعرفة والتقنيات عالية القيمة.

لكن البعد الأوسع للمشروع يتصل بالمنطقة؛ إذ تستطيع السعودية، على المدى الطويل، أن تؤدي دور مركز إقليمي للوقود النووي، بما يؤسس لتطوير قطاع متكامل للخدمات النووية المدنية على المستوى الإقليمي. كما يمكنها توفير اليورانيوم المعالج أو الوقود منخفض التخصيب لتشغيل المحطات النووية المدنية في دول الإقليم، مثل الإمارات والأردن ومصر، ناهيك بدول أخرى تعتزم تنويع مصادر إنتاج الطاقة. ومثل هذا الدور يخلق سلسلة إمداد أقرب جغرافياً وأكثر استقراراً، ويخدم احتياجات المنطقة المتزايدة من الكهرباء وتحلية المياه والاستخدامات الطبية والبحثية.

أما الولايات المتحدة، فإن مشاركتها في هذا المسار تمنحها فرصة لتثبيت أعلى معايير السلامة والأمن والرقابة، والمساهمة في بناء الإطار التنظيمي، وتأهيل الموارد البشرية، ونقل المعرفة. إلا أن واشنطن تدرك أنها ليست خيار الرياض الأوحد في هذا المجال، في حال قررت الأخيرة تغيير القواعد المتوافق عليها مع الرياض في هذا الشأن. فمستوى العلاقات الثنائية الاستراتيجية سيكون محل اختبار جديد، وبالتأكيد ستتفادى واشنطن حدوث مثل ذلك، حتى وإن ظهرت على السطح تصريحات تفيد عكس ذلك.

ختاماً، لا يتعلق البرنامج النووي السعودي بمشروع طاقة منفرد، بل ببناء قدرة صناعية ومعرفية وطنية ذات امتداد إقليمي. وبحكم التزام المملكة بمعاهدة عدم الانتشار وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكن لهذا المشروع أن يقدم نموذجاً للتنمية النووية السلمية؛ نموذجاً يستثمر الموارد المحلية، ويوطّن التكنولوجيا، ويدعم أمن إمدادات الوقود للمحطات المدنية في المنطقة، ضمن إطار دولي واضح وموثوق.