author

 أ.د. فراس محمد
أ.د. فراس محمد
شرق وغرب

لا أملك إلا أن أوافق

كان البيع عند من سبقنا يتمّ بضربة كفٍّ على كفّ، ولهذا سُمّيت عملية البيع بـ»الصفقة»، فالبائع يعرف ما باع والمشتري يعرف ما اشترى، والموجودون في السوق شهدوا على البيع أو الصفقة، فإذا اختلف البائع والمشتري بعد أيام، رجعا إلى الناس ليشهدوا بما جرى كما سمعوا ورأوا، ولم يكن أحد في ذلك الوقت يحتاج إلى أربعين صفحة مكتوبة بخط دقيق ليعرف...

نحن لا نتوقف

في كل مقاهي الدول العربية –تقريباً- وقبل أن تغزو شاشات الهواتف عالمنا، كان الرجل يأتي بعد العصر أو المغرب فيطلب «استكان شاي» ويجلس إلى العشاء، يسمع أحداث البلد والعالم والماضي أيضاً من الناس، وربما ما يسمعه أعيد عليه مرات عديدة، أو ربما ينشغل بلعب الطاولة أو الدومينو أو يستمتع بمشاهدة من يلعبها، بعدها ينهض ويسلّم على الحاضرين...

غياب المشترك

في أول خميس من كل شهر، وفي وقت محدد، كان يختفي عن الشوارع من تحتضنهم في هذه الأوقات في باقي الأيام، وذلك في بغداد والقاهرة وعمّان ودمشق، ليس لأن هناك حظراً للتجوال أو لسوء أحوال الطقس، بل لأن أم كلثوم تغني، الغريب أن الملتفين حول الراديو لم يكونوا كلهم من عشاق الطرب، فكان من بينهم من لا يطيق الوصلات الغنائية الطويلة ويتململ من...

الطالب الذي علمني أقرأ مرتين

قبل أربع وعشرين سنة، وأنا أصحح أوراق الامتحان، استوقفتني إجابة، كنت أقرؤها وأقول في نفسي: كأني أعرف هذا الكلام جيداً، ثم عدت إلى الكتاب الجامعي للمقرر، ووضعت الورقة إلى جانب الصفحة، فإذا الإجابة منسوخة كما هي، النقاط بترتيبها، والفواصل في مواضعها، لم يهمل شيئاً، أغلقت الكتاب وأنا واثق، ولم أضع له درجة، في المحاضرة التالية سلمت...

من أين لك هذا؟

لطالما سألت أبي -رحمه الله- عن مسائل كثيرة، وكنت دوماً أتوقع منه ثلاث إجابات، وبالفعل لم تكن تخرج الإجابة عنها يوماً، الأولى يجيبني على السؤال إما بالتفصيل، وإما بقدر ما لديه من معلومة، والثانية يقول لا أعرف، والثالثة يقول انتظرني أتحقق من فلان أو فلان، وبالفعل بعد فترة يعطيني الجواب وقد يكون في بعض الأحيان أنه لم يصل إلى جواب،...

طفولة تفاصيلها على الملأ

يتصفح أحد الشباب ذو السادسة عشر من عمره، حساب إنستغرام الخاص بوالدته، فينتقل من يوم لآخر ومن شهر لآخر، ويستمر وهو يمرر إلى الأسفل لينتقل من سنة لأخرى، وفي خلال هذه الجولة يرى شريط حياته، حتى يصل إلى الثانية من عمره وهو ملطخ بكريمة الكيك من رأسه إلى أخمص قدمه، وليس عليه سوى قطعة واحدة من ملابسه الداخلية، ثم إلى صورة أخرى وقد لبس...

ربما يعرفون ما أنجزنا.. لكنهم لا يعرفون الثمن

في صيف عام 2021، كانت عدسات العالم كلها متجهة نحو فتاة موجودة في صالة الجمباز بطوكيو، وهي سيمون بايلز، أكثر لاعبة تتويجاً في تاريخ اللعبة. يومها لم يكن أحد يسأل: هل ستفوز؟ بل السؤال كان بكم ذهبية ستعود. لكن حدث ما لم يتوقعه أحد؛ في منتصف نهائي الفرق انسحبت، لم تكن إصابة في القدم ولا في الكتف، بل في مكان لا تراه الكاميرات؛ ألا وهو...

غرباء نعرف عنهم كل شيء

في دفاتر هواتفنا أسماء نمر عليها كما نمر على شواهد القبور، نعرف أصحابها جيداً، نحفظ ضحكاتهم وطريقة كلامهم ومقاعدهم المفضلة في المقاهي التي جمعتنا، لكننا لم نعد نجرؤ على الاتصال بهم، لم يحدث خلاف، ولم تقل كلمة جارحة، ولم يغلق أحدنا باباً في وجه الآخر، كل ما حدث أن رسالة تأخر ردها يوماً، ثم أسبوعاً، ثم صارت بلا رد، وأن عبارة «لازم...

فنجان قهوة في وجه العاصفة

في زنزانة ضيقة، في سجن على جزيرة روبن قبالة سواحل جنوب أفريقيا، قضى نيلسون مانديلا سبعة وعشرين عاماً خلف القضبان، كسر الصخور خلال سجنه حتى دمرت الشمس عينيه، كانت الزيارات ممنوعة عنه باستثناء زيارة واحدة في السنة ولزائر واحد، سبعة وعشرون سنة كفيلة بالسماح لليأس أن يحطم أي إنسان، لكن هذا السجين طلب من سجانيه السماح له بزراعة...

بطل من رماد

قبل أربعة وعشرين قرناً، في مدينة أفسس، كان هناك شاب يدعى هيروستراتوس بلا عمل ولا موهبة، نكرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن في نفسه جوع للشهرة، إلا أنه لم يجد ما يشتهر به، فلجأ إلى ما يلجأ إليه المغمورون الذين تراودهم أحلام البطولة، فوقف أمام صرح عظيم وهو معبد أرتميس، أحد عجائب الدنيا السبع في زمانه؛ تحفة استغرق تشييدها ما يزيد...

الخوف من اكتشاف حقيقتنا

بعد أحد عشر كتاباً ألفتهم الكاتبة والشاعرة الأمريكية مايا أنجيلو، وشهرة عالمية حققتها خلال فترة نشاطها، اعترفت بخوف غريب يتملكها كلما شرعت بكتابة عمل جديد، فقد كانت تتخوف من أن يكتشف الناس أنها ليست تلك الإنسانة التي في الصورة التي رسموها لها، وأن النجاح والشهرة التي حققتها ليست دليلاً على موهبتها، كل ذلك ومايا أنجيلو ليست...

غادر القطار ونحن على الرصيف

في منتصف الليل يستلقي شاب في الثلاثينيات من عمره، وربما الأربعينيات –بعد تمديد عمر الشباب– يحرك شاشة هاتفه بطرف أصبعه، فيقرأ منشوراً عن صديق الطفولة، وهو يعلن لمحبيه عن شراء بيته، وآخر وهو يفتتح فرعاً جديداً لمحلاته، وآخر يقدم نصائح للجيل الجديد في التجارة بعد أن خاض تجربته التجارية وحقق أول مليون من الصفر –حسب زعمه– وزميل...