شيخة الرمزان
بعض البيوت لا تحتاج إلى أن تُعرِّف الناس بتاريخها؛ يكفي أن تمرَّ أسماؤها في الذاكرة حتى تتداعى معها معاني المجد والكرم وحسن السيرة. وسمو الشيخة زين بنت خالد آل خليفة غصنٌ من دوحةٍ كريمة، تضرب جذورها عميقاً في تاريخ البحرين، وتتعانق في أغصانها أصالة الأجداد مع نبل الحاضر، حتى يبدو العطاء فيها وكأنه إرثٌ تتناقله القلوب قبل أن...
منذ اللحظة الأولى، بدا أن المسرح لا يستعد لحفلٍ غنائي، بل لليلةٍ ستبقى في الذاكرة طويلاً. على خشبة مسرح البحرين الوطني، وفي افتتاح أمسيات مهرجان البحرين الدولي للموسيقى في نسخته الخامسة والثلاثين، جاء الموسيقار خالد الشيخ محمّلًا بسنواتٍ من اللحن، والحنين، والذاكرة، في أمسية حملت عنوان «تذكّرني»، وكأن العنوان كان دعوةً...
ما أجمل أن يعلو اسم الوطن خارج حدوده، وأن تسمعه في محفل عالمي فتشعر، للحظة، أن المسافات كلها اختصرت، وأن قطعةً من أرضك قد سافرت قبلك إلى هناك. هكذا كان شعور البحريني وهو يرى اسم مملكة البحرين حاضراً في ماليزيا، في حدث عالمي كبير، وكأن العلم الأحمر والأبيض لم يكتفِ بأن يرفرف فوق الصخير، بل اختار أن يعبر البحار والسماء، ليقول...
ليست كل البرامج عابرة في أثرها؛ فبعضها ينتهي بانتهاء الحلقة، وبعضها يبقى في الذاكرة؛ لأنه يوقظ فكرة، ويغرس قيمة، ويفتح أمام الشاب باباً لاكتشاف قدراتهم. وقد أضفت زيارة جلالة الملك للبرنامج بُعداً إنسانياً ووطنياً بالغ الأثر؛ فحضور القائد بين أبنائه، واستماعه إليهم، وحديثه معهم، يمنحهم شعوراً بالتقدير والثقة، ويجعل القدوة...
في اليوم الوطني السعودي، لا تبدو البحرين وكأنها تراقب فرحة وطنٍ شقيق من بعيد؛ بل كأن الفرح يعبر الجسر قبل الناس، ويدخل البيوت والمجمعات والمدارس، ويرفرف في الأعلام، ويظهر في الأزياء والتهاني، حتى يخال الزائر أن البحرين تحتفل بيومٍ من أيامها. وليس هذا الشعور وليد مناسبة عابرة؛ فبين البحرين والسعودية علاقة أقدم من الجسر وأعمق من...
لم تكن أرضُ الخليج يوماً أرضاً مدللةً بالعطاء، بل كانت صفحةً طويلةً من الصبر، كتبتها الشمس بحرارتها، ونقش البحر على سواحلها حكايات الرجال الذين خرجوا كل صباحٍ يحملون قلوبهم قبل أن يحملوا أدوات رزقهم. كان الغواص يهبط إلى أعماق البحر، لا يدري أيرجع بلؤلؤةٍ تضيء بيته، أم يعود بخيبةٍ يخبئها خلف ابتسامة الرضا. وكان ابن الصحراء يشق...
رأيتُ صورةً قديمة لسوق المنامة في الثمانينيات، فتوقفت عندها أكثر مما توقعت. لم تكن صورة شارع مزدحم فحسب، بل نافذة فُتحت فجأة على زمنٍ كامل؛ الواجهات القديمة، حركة الناس، السيارات، والنساء والفتيات بعباءاتهن التي تُلبس فوق الرأس، كما كنا نلبسها آنذاك. شعرت للحظة أن الصورة لا تعرض مشهداً من الماضي فقط، بل تستدعيني أنا إليه،...
في صباح فاطمة الأول، لم أشعر أن باب المدرسة فُتح لها وحدها؛ بدا لي كأن الباب العتيق انشقّ في جدار الزمن، وخرجت منه طفولتنا القديمة، تمشي على أطراف أصابعها، تحمل حقائبها الصغيرة، وتبحث عن مقاعدها التي غطاها الغبار. رأيتها ترتدي مريولها الجديد، فخُيّل إليّ أن الصباح نفسه وقف أمامها ليعدّل ياقة ثوبها. رتّبت مقلمتها، فتساقطت من بين...
قبل أن تعرف البشرية الشاشات، وقبل أن تتحرك الصور أمامنا بضغطة إصبع، كان هناك فنّ بسيط استطاع أن يصنع عالَماً كاملاً من ثلاثة أشياء فقط: ضوء، وستارة، وظل. كان يُسمّى خيال الظل؛ ذلك الفن الذي تتحرك فيه أشكال مصنوعة من الجلد أو الورق خلف ستارة مضاءة، فلا يرى المتفرج الأجسام نفسها، بل ظلالها وهي تتكلم وتتحرك وتحكي القصص. وتشير...
ليست ذكرى المولد النبوي مناسبةً تمرّ على الذاكرة ثم تنقضي، ولا صفحةً من التاريخ نعيد قراءتها كل عام؛ إنها سؤالٌ يتجدد: ماذا بقي في حياتنا من تلك القيم التي جاء بها النبي محمد ﷺ، وكيف يمكن لسيرته أن تتحول من كلمات نرددها إلى أخلاق تسكن المجتمع؟ هذا المعنى العميق كان حاضرًا في الكلمة السامية لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة،...
ما إن يرن جرس الفسحة اليدوي، ذلك الجرس الذي كانت تحرّكه يدٌ فتوقظ بصوته المدرسة كلها، حتى كانت الملامح تتغير فجأة. تمتلئ الممرات بخطواتٍ صغيرة تركض بلهفة، وتتعالى الضحكات، وتتحول الساحة إلى لوحةٍ نابضة بالحياة. لم يكن الأطفال يتجهون إلى المقصف؛ لأنهم جائعون فحسب، بل لأنهم كانوا على موعدٍ مع أجمل دقائق اليوم. كان المقصف صغيراً...
ليست كلُّ البيوت متشابهة في قدرتها، ولا كلُّ الشباب يبدأون حياتهم من النقطة نفسها. وبينما يستطيع بعضهم أن يقيم ليلة زفاف فاخرة لا تثقل ميزانيته، قد يدخل آخر حياته الزوجية، وهو يحمل فوق كتفيه فاتورة ليلة واحدة، كان يفترض أن تكون أول أبواب الفرح لا أول أبواب الدَّين. ومن هنا أطرح فكرة للنقاش، لا أدعو فيها إلى إلغاء فرحة الأعراس،...