شيخة الرمزان
هناك ذكرياتٌ لا يطويها الزمن، لأنها لم تُكتب في دفاتر الأيام، بل كُتبت في القلب. وما إن تلوح مناسبةٌ جميلة، حتى تعود تلك الذكريات نابضةً بالحياة، كأنها وقعت بالأمس. ما زلت أذكر، ونحن أطفالٌ في الرفاع الغربي، كيف كان نادي الرفاع الغربي في مقره القديم، في تلك الساحة الواقعة بين سوق الرفاع والنادي، يتحول إلى ساحة فرحٍ لا تشبه سواها...
فمع ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي للعرس، يبدأ يوم الإِجرة. تُشعل النار تحت القدور الكبيرة، ويُلقى الحطب وسعف النخيل في المواقد. وسرعان ما يرتفع الدخان فوق البيوت، حاملاً معه رائحةً لا تشبه أي رائحة أخرى. كانت رائحة الحطب المشتعل تمتزج برائحة اللحم والبهارات والعيش، فتملأ الأزقة والطرقات. وما إن تتسلل إلى البيوت حتى يعرف...
بعض الكلمات لا تحمل معنىً واحداً، بل تحمل زمناً كاملاً. وما إن تُذكر حتى تعود إلى الذاكرة صور الأعراس القديمة، وروائح الحطب، وأصوات الجيران، وحكايات الفرح التي كانت تُكتب بأيدي الناس قبل أن تُكتب في الصور. ومن تلك الكلمات «الإِجرة»، وهي عادةٌ عرفتها مناطق عديدة في الخليج، واتخذت في البحرين طابعاً اجتماعياً خاصاً ارتبط بالمحبة...
ليس كلُّ وداعٍ نهاية. فهناك رجالٌ إذا غابوا عن الدنيا، ظلَّت أرواحهم تمشي بين الناس على هيئة كلمات، وتتنفس في الكتب، وتلوِّح من نوافذ القصائد، وتبتسم من بين صفحات التاريخ. كان الأديب الراحل علي عبدالله خليفة واحداً من هؤلاء. لم يكن يكتب ليملأ رفوف المكتبات، بل ليملأ ذاكرة الوطن. كان يعرف أن الكلمة الصادقة لا تُقاس بعدد...
قبل أن تمتلئَ الرفوفُ بالعرائسِ الجاهزة، كانت طفولتُنا تعرفُ سرّاً آخر للسعادة؛ سعادةَ أن نصنعَ لعبتَنا بأيدينا، وأن نمنحَ الأشياءَ الجامدةَ حياةً لا يراها إلا الأطفال. كان «المِدّود» يبدأُ من أعوادٍ خشبيةٍ بسيطة، لا قيمةَ لها في نظرِ الكبار. نجمعها بحماسٍ، ثم نربطُ بعضها ببعض، ونعكسُ بعضها عرضاً ليصبحَ للعروسِ ذراعان...
في المقالِ السابق، سرنا مع كشتاتِ القيظ منذ لحظةِ التجمعِ في الفريج، حتى عادت بنا الحافلةُ مع غروبِ الشمس، وقد حملت معنا ضحكاتِ يومٍ لا يُنسى. لكنَّ الذكرياتِ الجميلةَ تشبهُ البحر؛ كلما غصنا فيها أكثر، أخرجت لنا لآلئ جديدة. لذلك، لن نكررَ الرحلة، بل سنعود إليها من نافذةٍ أخرى، لنلتقطَ تفاصيلَ صغيرةً لم تكن صغيرةً في الحقيقة، بل...
هذا الصباح... لم تستيقظ القصائد في موعدها. كان ثمة شيءٌ غريبٌ يسري بين رفوف المكتبات؛ الكتبُ متلاصقةٌ كأنها تتعزّى ببعضها، والدواوينُ مطرقةُ الرؤوس، والأوراقُ البيضاء تنتظر قلمًا تعرف أنه لن يعود. وحين سألتُ أحدَ الرفوف: ما الذي حدث؟ أجابني بصوتٍ يشبه حفيف الصفحات: لقد رحل علي عبدالله خليفة... عندها فقط، فهمتُ لماذا انطفأت قناديل...
تخيّلتُ الزمنَ في ذلك الصباحِ يقفُ قليلاً أمام البحرين، ينظرُ إلى البيوتِ المضيئةِ بأهلها، ثم يبتسمُ ويقول: ما زالت هناك قلوبٌ تريدُ أن تقولَ شيئاً لوطنِها، فلنمنحها مزيداً من الوقت. ولعلَّ هذا هو أجملُ ما حمله خبرُ تمديدِ فترةِ استلامِ وثائقِ الولاءِ والتأييد؛ إذ بدا وكأنَّ الأيامَ نفسها قد قرّرت أن تُبطئَ خطاها، وأن تؤجِّلَ...
في زمانٍ يختلفُ عن هذا الزمان، في بساطتِه وفي سعةِ الوقت، في جمالِ الناس بابتسامتهم الدائمة على الرغم ممّا يحملونه في صدورهم أحياناً من هَمِّ، لكن الأصول تحكمهم، والأثرة تتقدمهم و(السنع) يفرضُ عليهم أنْ يتسامحوا مع أقربائهم وجيرانهم، يذوّبون المشاكل الصغيرة في اللحظة ذاتها، بالتسامح من الطرفين فـ(العيبُ) و(المنقود) يؤطّر...
صبيحةَ هذا اليوم، بعثتْ إليَّ إحدى صديقاتي صوراً لهدايا الحُجّاج القديمة، تلك «الصُّوَايغ» البسيطة، المتنوعة التي كان الحجُّاجُ يحملونها معهم للأطفال عند عودتهم من الديار المقدسة. وما إن وقعت عيناي على الصور حتى اهتزّت الذاكرةُ فجأةً، وانفتح بابٌ واسعٌ من الحنين. لم أرَ مجردَ هدايا قديمة، بل رأيتُ طفولةً كاملةً تخرجُ من بين...
في إحدى حفلاتِ تخرُّجِ الروضة، وأنا أتابعُ الأطفالَ وهم يقفونَ على المسرحِ بملابسِهم الجميلة، وابتسامتهم البريئة، فإذا بهم يرفعُون رأسَهم عالياً ويُنشدُون النشيدَ الوطنيَّ بكلِّ ما يملكُون من حماس؛ فلم يكن الأطفالُ ينشدون الكلماتِ فحسب، بل كانت عيونُهم تتجهُ بعفويةٍ نحو صورةِ جلالةِ الملك، بمحبةٍ صادقةٍ لا تعرفُ التصنُّع،...
شيخة الرمزان في هذه الأيام، تبدو البحرينُ وكأنها تعيشُ عيدًا من نوعٍ آخر. فموسمُ التخرّجِ ليس مجردَ مناسبةٍ تعليمية، بل هو موسمُ فرحٍ وطنيٍّ واسع، تتسعُ له البيوتُ والشوارعُ والقلوب. في كلِّ منزلٍ حكايةُ نجاح، وفي كلِّ أسرةٍ نبضُ انتظارٍ طويلٍ انتهى بلحظةٍ من الفخرِ الخالص. هناك آباءٌ يتأملون أبناءَهم اليومَ فيتذكرون سنواتٍ...