author

 شيخة الرمزان
شيخة الرمزان

حين عوَّضَ اللهُ الخليجَ صبرَ السنين

لم تكن أرضُ الخليج يوماً أرضاً مدللةً بالعطاء، بل كانت صفحةً طويلةً من الصبر، كتبتها الشمس بحرارتها، ونقش البحر على سواحلها حكايات الرجال الذين خرجوا كل صباحٍ يحملون قلوبهم قبل أن يحملوا أدوات رزقهم. كان الغواص يهبط إلى أعماق البحر، لا يدري أيرجع بلؤلؤةٍ تضيء بيته، أم يعود بخيبةٍ يخبئها خلف ابتسامة الرضا. وكان ابن الصحراء يشق...

سوق المنامة.. حيث ما زالت أمي تمشي في الذاكرة

رأيتُ صورةً قديمة لسوق المنامة في الثمانينيات، فتوقفت عندها أكثر مما توقعت. لم تكن صورة شارع مزدحم فحسب، بل نافذة فُتحت فجأة على زمنٍ كامل؛ الواجهات القديمة، حركة الناس، السيارات، والنساء والفتيات بعباءاتهن التي تُلبس فوق الرأس، كما كنا نلبسها آنذاك. شعرت للحظة أن الصورة لا تعرض مشهداً من الماضي فقط، بل تستدعيني أنا إليه،...

حين ارتدت فاطمة أول أثواب الحلم

في صباح فاطمة الأول، لم أشعر أن باب المدرسة فُتح لها وحدها؛ بدا لي كأن الباب العتيق انشقّ في جدار الزمن، وخرجت منه طفولتنا القديمة، تمشي على أطراف أصابعها، تحمل حقائبها الصغيرة، وتبحث عن مقاعدها التي غطاها الغبار. رأيتها ترتدي مريولها الجديد، فخُيّل إليّ أن الصباح نفسه وقف أمامها ليعدّل ياقة ثوبها. رتّبت مقلمتها، فتساقطت من بين...

حين يعود خيال الظل.. هل يشتاق الإنسان إلى البدايات؟

قبل أن تعرف البشرية الشاشات، وقبل أن تتحرك الصور أمامنا بضغطة إصبع، كان هناك فنّ بسيط استطاع أن يصنع عالَماً كاملاً من ثلاثة أشياء فقط: ضوء، وستارة، وظل. كان يُسمّى خيال الظل؛ ذلك الفن الذي تتحرك فيه أشكال مصنوعة من الجلد أو الورق خلف ستارة مضاءة، فلا يرى المتفرج الأجسام نفسها، بل ظلالها وهي تتكلم وتتحرك وتحكي القصص. وتشير...

حين يجعل الملكُ السيرةَ النبوية مشروعًا للحياة

ليست ذكرى المولد النبوي مناسبةً تمرّ على الذاكرة ثم تنقضي، ولا صفحةً من التاريخ نعيد قراءتها كل عام؛ إنها سؤالٌ يتجدد: ماذا بقي في حياتنا من تلك القيم التي جاء بها النبي محمد ﷺ، وكيف يمكن لسيرته أن تتحول من كلمات نرددها إلى أخلاق تسكن المجتمع؟ هذا المعنى العميق كان حاضرًا في الكلمة السامية لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة،...

جرس الفسحة.. وطعم الطفولة

ما إن يرن جرس الفسحة اليدوي، ذلك الجرس الذي كانت تحرّكه يدٌ فتوقظ بصوته المدرسة كلها، حتى كانت الملامح تتغير فجأة. تمتلئ الممرات بخطواتٍ صغيرة تركض بلهفة، وتتعالى الضحكات، وتتحول الساحة إلى لوحةٍ نابضة بالحياة. لم يكن الأطفال يتجهون إلى المقصف؛ لأنهم جائعون فحسب، بل لأنهم كانوا على موعدٍ مع أجمل دقائق اليوم. كان المقصف صغيراً...

هل نعيد العرس إلى بساطته؟

ليست كلُّ البيوت متشابهة في قدرتها، ولا كلُّ الشباب يبدأون حياتهم من النقطة نفسها. وبينما يستطيع بعضهم أن يقيم ليلة زفاف فاخرة لا تثقل ميزانيته، قد يدخل آخر حياته الزوجية، وهو يحمل فوق كتفيه فاتورة ليلة واحدة، كان يفترض أن تكون أول أبواب الفرح لا أول أبواب الدَّين. ومن هنا أطرح فكرة للنقاش، لا أدعو فيها إلى إلغاء فرحة الأعراس،...

حين نشتري الذكريات

إن الإنسان قديماً يلهث وراء الجديد، ويعدّ كل ما مضى صفحة طواها الزمن. أما اليوم، فقد حدث أمرٌ يدعو إلى التأمل؛ إذ أصبحت الأسواق تمتلئ بمنتجات تشبه ما كان في بيوت الأجداد، وعادت الألعاب القديمة، وأجهزة التسجيل، والكاميرات الفيلمية، والملابس ذات التصاميم الكلاسيكية، حتى كأن العالم، بعد رحلة طويلة إلى الأمام، التفت فجأة لينظر...

الطفولة بين عين الدهشة والبراءة

لم تكن المدرسةُ في سبعينيات وثمانينيات العمر مجرد فصولٍ نأتي إليها لنحفظ الحروف ونردد الجداول، بل كانت بيتاً ثانياً، يتسلل إلينا كل صباحٍ ليعلّمنا كيف نكون بشراً صالحين قبل أن نكون طلاباً متفوقين. كان لكل صفٍّ جدولٌ صغيرٌ يبدأ مع بداية العام الدراسي، لكنه لم يكن جدولاً للواجبات أو الاختبارات، بل كان جدولاً للمسؤولية. ففي كل...

أوسمةٌ للحبر.. وتحيةٌ للوطن

في صباحٍ ازدان بالحرف، لم يكن تكريمُ الفائزين بجائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة احتفاءً بأسماءٍ أبدعت فحسب، بل كان احتفاءً بالكلمة حين تؤدي رسالتها، وبالقلم حين ينحاز إلى الوطن، وبالصحافة حين تكون شريكاً في صناعة الوعي. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالكلمة التي تضيء، والفكرة التي تبني، والصوت المسؤول الذي يرسّخ في...

فعالية «لقاء أساطير الكرة البحرينية» حين يعود الأبطال.. يعود معهم التصفيق

هناك ذكرياتٌ لا يطويها الزمن، لأنها لم تُكتب في دفاتر الأيام، بل كُتبت في القلب. وما إن تلوح مناسبةٌ جميلة، حتى تعود تلك الذكريات نابضةً بالحياة، كأنها وقعت بالأمس. ما زلت أذكر، ونحن أطفالٌ في الرفاع الغربي، كيف كان نادي الرفاع الغربي في مقره القديم، في تلك الساحة الواقعة بين سوق الرفاع والنادي، يتحول إلى ساحة فرحٍ لا تشبه سواها...

الأعراس القديمة بين الإجرة.. ورائحة الحطب وسعف النخيل «2»

فمع ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي للعرس، يبدأ يوم الإِجرة. تُشعل النار تحت القدور الكبيرة، ويُلقى الحطب وسعف النخيل في المواقد. وسرعان ما يرتفع الدخان فوق البيوت، حاملاً معه رائحةً لا تشبه أي رائحة أخرى. كانت رائحة الحطب المشتعل تمتزج برائحة اللحم والبهارات والعيش، فتملأ الأزقة والطرقات. وما إن تتسلل إلى البيوت حتى يعرف...