رصدنا فى المقالات السابقة ما اتبعته كثير من مواقع التواصل الاجتماعي من أساليب اتسمت بالتحيز والخلط بين الرأي والخبر أو المعلومة والتناول السلبي الأشخاص والأحداث مما سبب ضغطاً نفسياً على الأفراد والمؤسسات.

كما كان التناول السطحي للأزمة غالباً على هذه المعالجة حيث التركيز على الحدث الآني في ذاته دون ربطه بسياقه العام أو بالرؤية الأكثر شمولية والتي تقتضي الرجوع للأسباب الحقيقية أو كيفية الوقاية والاستفادة من التجارب المحلية والإقليمية فى مواجهة فيروسات سابقة مثل «سارس» وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير ومن قبلها أمراض مثل الكوليرا وغيرها ورؤية الأبعاد الاجتماعية والنفسية والخسائر المالية والأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها الدول والأفراد الآن بسبب هذا الوباء فقد أوقفت غالبية الدول عمل شركاتها الاستراتيجية التي كانت تمثل رافداً أساسياً في ميزانياتها واتخذت الدول الإجراءات الاحترازية الصارمة لأن العلاج الوحيد حتى الآن لدى كل دول العالم هو أن يبقى الناس في بيوتهم ولا يختلطون بالآخرين لأن الاختلاط هو ناقل العدوى الأساسي لهذا الفيروس.

إن هناك تراكماً سابقاً يمكن الاستفادة منه فى التناول الإعلامي لـ «كورونا»، فالأزمات المشابهة التي مر بها العالم يمكن الاستفادة منها وهناك مدرستان فى الصحافة العالمية يمكن الاستفادة منهما، الأولى تعرف بصحافة الخدمات، والثانية بصحافة المعلومات، وكلاهما ذات فائدة فى معالجة مثل هذه الأزمات، لأن الأولى ترشد الجمهور بماذا يفعل في مواجهة هذه الأزمة، كأن تركز على الإرشادات والمستشفيات والعلاجات والأدوات المطلوبة، وكل ما يقدم لهم من خدمة فى مواجهة الفيروس، والثانية تضع تحت يديه المعلومات والإحصاءات الدقيقة لكل جانب من جوانب الأزمة، وليس فقط المصابين والموتى، إنما تقدم إحصاءات بالأعداد والفئات العمرية والمناطق التي يكثر بها وعدد الصيدليات والمراكز الصحية الموجودة فى كل منطقة، وعدد المواقع الإلكترونية المتخصصة والمهتمة بالفيروس محلياً وعالمياً، والمعلومات المنشورة بها وكل ما يرد فى ذهن الجمهور من تساؤلات تقدم لهم معلومات إحصائية بشأنه وذلك بدلاً من النشر غير الرشيد البعيد عن الحقائق والمعلومات والإحصاءات السلبية التي تؤخذ من باحثين ليس لديهم الأهلية العلمية ولا المنهجية السليمة ولا الرجوع للجهات الرسمية لعل آخرها ما نقلته بعض المواقع العربية ذات الأعراض السلبية عن موقع لشخص أجنبي يدعي أنه باحث ونشر أن إحدى الدول لديها حوالى 19 ألف مصاب ثم نشر فى اليوم التالي على صفحته على «تويتر» أنهم 6 آلاف والعدد قابل أن يخفضه هو نفسه كل صباح.. وللأسف تنقل عنه إحدى الفضائيات العربية المغرضة ويتضح بعد ذلك أنه ليس طبيباً ولا علاقة له بالمرض ولا الفيروس ويتسبب في أزمة كبيرة رغم أن المؤسسات الصحية العالمية هي التي تتابع عن قرب حالات الإصابة والأعداد وتنشرها أولاً بأول.

إن مثل هذه المعالجات فى وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي إلى نشر الفزع والخوف والهلع وأحياناً السخرية بين الجماهير وهو ما يشكل لديهم وعياً زائفاً بشأن الفيروس وكل الأطراف ذات العلاقة بجانب الإضرار باقتصاد وسمعة الدول وشعوبها. وهنا تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى سلاح هدام وليست وسيلة للبناء والتوجيه وقت الأزمات. وللحديث بقية.

* أستاذ الإعلام وعلوم الاتصال